كُتُب الأصمعي والجزرَة
📙 *حكايات وعِبَر*
_ الحكاية الرابعة والعشرون :
( *📚 كُتُب الأصمعي والجزرَة 🥕* )
• قال الأصمعي : كنت بالبصرة أطلب العلم وأنا فقير .
وكان على باب زُقاقنا -طريقنا- بقّال -بائع البقولات والخضروات- .
إذا خرجتُ باكراً يقول لي إلى أين؟
فأقول إلى فلان المحدِّث ،
وإذا عدت مساءً يقول لي مِن أين؟
فأقول مِن عند فلان الإخباريّ أو اللغويّ ،
فيقول البقال : يا هذا ،
اقبل وصيّتي ،
أنت شاب فلا تضيّع نفسك في هذا الهراء ،
واطلب عملاً يعود عليك نفعه وأعطني جميع ما عندك من الكتب فأحرقها فوالله لو طلبت مني بجميع كتبك جزرة .. ما أعطيتُك.!
قال الأصمعي : فلما ضاق صدري بمداومته هذا الكلام ..صرت أخرج من بيتي ليلاً وأدخله ليلاً ،
وحالي في خلال ذلك تزداد ضيقاً ،
حتى اضطررت إلى بيع ثياب لي ،
وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ،
وطال شعري وأخلق ثوبي -تمزق- ، واتسخ بدني.،
فبينما أنا كذلك متحيّر في أمري ،
إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي
فقال لي : أجب الأمير
فقلت : ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى؟
فلما رأى سوء حالي وقبح منظري ، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري ،
ثم عاد إليّ ومعه تخوت ثياب ودرج فيه بخور ، وكيس فيه ألف دينار ،
وقال : قد أمرني الأمير أن أُدخلك الحمام وأُلبِسك من هذه الثياب وأدع باقيها عندك ، وأطعِمك من هذا الطعام ، وأبخّرك ،
لترجع إليك نفسك ثم أحملك إليه ،
فسررت سروراً شديداً ودعوتُ له ،
وعملتُ ما قال ،
ومضيت معه حتى دخلت على محمد بن سليمان ،
فلما سلّمتُ عليه..
قرّبني ورفعني ثم قال :
يا عبد الملك ، قد سمعت عنك ، واخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فتجهّز للخروج إلى بغداد ٠
فشكرته ودعوت له ،
وقلت سمعاً وطاعة سآخذ شيئاً من كتبي وأتوجّه إليه غداً
وعدتُ إلى داري فأخذت ما احتجت إليه من الكتب ، وجعلتُ باقيها في حجرة سددتُ بابها ،
وأقعدت في الدار عجوزاً من أهلنا تحفظها ٠
فلما وصلت إلى بغداد دخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد
فقال لي : أنت عبد الملك الأصمعي؟
قلت : نعم ، أنا عبد الملك الأصمعي يا أمير المؤمنين
قال : اعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه وها أنا أسلم إليك ابني بأمانة الله فلا تعلمه ما يُفسد عليه دينه ،
فلعله أن يكون للمسلمين إماماً.
قلت السمع والطاعة ، فأخرجه إليّ ،
وحُوِّلْتُ معه إلى دار قد أُخليت لتأديبه ،
وأجرى عليّ في كل شهر عشرة آلاف درهم فأقمت معه حتى قرأ القرآن وتفقّه في الدين ، وروى الشعر واللغة ،
و علم أيام الناس وأخبارهم.
واستعرضه الرشيد فأُعجب به وقال : أريد أن يصلي بالناس في يوم الجمعة ،
فاختر له خطبة فحفِّظْه إياها ، فحفّظتُه عشراً ،
وخرج فصلى بالناس وأنا معه ، فأعجب الرشيد به واتتني الجوائز والصِلات من كل ناحية ،
فجمعت مالاً عظيماً اشتريت به عقاراً وضياعاً وبنيت لنفسي داراً بالبصرة فلما عمرت الدار وكثرت الضياع ،
استأذنتُ الرشيد في الانحدار إلى البصرة ، فأذن لي.
فلما جئتها أقبل عليّ أهلها للتحية وقد فَشَتْ فيهم أخبار نعمتي وتأمّلت من جاءني ، فإذا بينهما البقّال وعليه عمامة وسخة ، وجبّة قصيرة فلما رآني صاح :
عبد الملك.!
فضحكتُ من حماقته ومخاطبته إيّاي بما كان يخاطبني به الرشيد ثم قلت له : يا هذا ، قد والله جاءتني كتبي بما هو خير من الجَزَرة! .
✍🏻 المصدر : الفرج بعد الشدة/ للتنوخي .
🖊️ مما يُستفاد مِن هذه الحكاية :
• أهمية طلب العلم ولو مع الفقر .
• لا يبالي طالب العلم بكلام الناس وذمهم ولو كانوا مِن أقرب الناس إليه .
• إذا صدق طالب العلم في تعلمه ، وأخلص فيه لوجه الله .. سيتكفل الله له برزقه كفالة خاصة فوق الكفالة العامة ، كما قال ذلك العارفون بالله .
• لا يُفهم من هذه الحكاية : ترك القيام بالسبب ، بل ينبغي على الإنسان أن يقوم بالسبب مع الاتكال على مسبب الأسباب .
• لا ينبغي لطالب العلم أن يقصد بتعلمه : طلب الدنيا وطلب الجاه ، بل يقصد بتعلمه رضاء الله ونفع نفسه ونفع المسلمين .
• لا حرج في أخذ الأجرة مقابل التعليم .
• التحذير من التنقيص والاستهزاء بطلبة العلم كيف ما كانوا ؛ فإن العلم ميراث الأنبياء .
... وغير ذلك مِن الفوائد .
*نسأل الله تعالى أن يفقهنا في أمور ديننا وأن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا* .
*وأن يرزقنا من واسع فضله من غير سابقة عذاب ولا ذلة ولا فتنة ولا محنة ولا حساب ، في خير ولطف وعفو وعافية* .