زواج ابن أبي وداعة ببنت سعيد ابن المسيب -رحمهم الله-
📙 حكايات وعِبَر
_ الحكاية الثامنة عشر :
( زواج ابن أبي وداعة ببنت سعيد ابن المسيب -رحمهم الله- )
* عن عبد الله بن أبي وداعة -رحمه الله- أنه قال: كنتُ أجالس سعيد بن المسيِّب -رحمه الله- ، فافتقدني أياماً ، فلما أتيتُه قال: أين كنتَ ؟ قلتُ: توفيت زوجتي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ .
قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة غيرها -أي هل تزوجت امرأة غيرها- ؟ فقلت: يرحمك الله تعالى، ومَن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟
فقال سعيد بن المسيب : أنا أزوجك ابنتي .
فقلت: وتفعل؟ قال: نعم، فحمد الله تعالى وصلى على النبي وزوجني على در همين .
قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، وجعلتُ أفكر ممن آخذ وممن أستدين .
فصليتُ المغرب وانصرفت إلى منزلي، فأسرجت -أي أوقدتُ السراج- ، وقد كنتُ صائماً .
فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزا وزيتا، وإذا بالباب يقرع .
فقلتُ: مَن هذا؟ فقال: سعيد ، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ؛ وذلك لأنه لم يُر أربعين سنة إلا بين داره والمسجد .
قال: فخرجت إليه، فإذا به سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدى له، فقلت: يا أبا محمد، لو أرسلت إلي لأتيتك، فقال: لا، أنت أحق أن تُؤتى .
قلت: فما تأمر؟ قال: إنك رجل عَزبٌ فتزوجتَ، فكرهتُ أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، وإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ، ثم رد الباب ، فسقَطَتِ المرأة من الحياء، فاستوثقت -أي مسكت هي بالباب- ، ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه .
ثم صعدت السطح فرميت الجيران، فجاؤوني وقالوا: ما شأنك؟ قلتُ: وَيْحَكُم، زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاء بها الليلة على غفلة، فقالوا: أو سعيد زوجك؟ فقلت: نعم، قالوا: وهي في الدار؟ قلت: نعم، فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام .
قال: فأقمت ثلاثا ثم دخلتُ بها، فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثتُ شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه .
فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته ، فسلمت عليه، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس .
فقال سعيد لي : ما حال ذلك الإنسان -يقصد ما حال ابنته- ؟
فقلتُ: بخير على ما يحبُّ الصَّديقُ ويكره العدو .
فقال سعيد : إن رابك منه أمر، فدونك والعصا ؛ أي إذا حصلت منها مخالفة .. فعاقبها .
فانصرفتُ إلى منزلي، فوجّه إلي بعشرين ألف درهم .
* قال عبد الله بن سليمان : وكانت بنت سعيد بن المسيب هذه .. قد خطبها منه عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد .
فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يَزَلْ عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جَرَّةَ ماء والبسه جبة صوف.
✍🏻 انتهى تذكير الناس .
🖊️ مما يُستفاد من هذه الحكاية
* استحباب تفقد أصحابك إذا غابوا عنك .
* المبادرة إلى تزويج القريية ؛ لسترها ، ولو بمقابل يسير .
* وينبغي تعجيل الزواج ، وعدم تأخيره ، وعدم التكلف لأجله .
* على أب البنت أن لا يقوم مع ابنته في الباطل ضد الزوج ، بل يراعي الطرفين .
* ختاماً : من يقرأ هذه الحكاية .. يقول كأنها أسطورة من الأساطير ؛ فنادرة النوادر أن تجد من يفعل هكذا مع ابنته ، يخطبها ويزوجها في وقت واحد ، وبدون تكاليف وشروط كثيرة .
بل تجد في زماننا تنافس الطماعين ومغالاتهم في المهور التي أورثت قصم الظهور ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
نسأل الله أن يقذف في قلوب الأباء والأمهات الرقة والشفقة بالعزاب والراغبين في الزواج .
وأن يوفقنا وإياهم لمتابعة نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- والصالحين في بغضهم للتكليف ، في خير ولطف وعفو وعافية آمين