حكاية العبد {مبارك} والورع
📙 حكايات وعِبَر (١٣)
🖊️ ( حكاية العبد {مبارك} والورع )
* • من كلام الحبيب محمد بن هادي السقاف -رضي الله عنه- ، قال :
( المبارك -والد سيدنا عبد الله بن المبارك- .. كان عبداً أسوداً، حطيط الساقين -أي صغير الساقين- مشقوق القدمين ، لكنه كان شديد الورع .
وقد جعله سيده يهتم ببستان ويحفظه .
فلما كان يوم من الأيام .. خرج السيد إلى البستان ، فقال : يا مبارك هات لنا من العنب {الحلو} ، وكان في البستان عنب حلو وحامض .
فذهب مبارك وجاء بعنب وأعطاه إياه ، فتذوق السيد العنب .. فوجده حامضاً .
فقال له : هات لنا من الحلو ، فإن هذا العنب الذي أتيت به (حامض) .
فذهب مبارك مرة ثانية وأتى لسيده بعنب ، فوجده السيد حامضاً أيضاً .
فقال له : كيف أقول لك هات من العنب الحلو وتأتيني بالحامض ، وأنت لك {سنتان} في هذا البستان ؟
فقال : يا سيدي : أنا ما أعرف العنب الحلو من الحامض ؛ لأنك ما جعلتني في البستان إلا لأحفظه ، وأنا منذ جلست في البستان .. ما طعمتُ منه ولا ذقتُ شيئاً ، فكيف لي أن أعرف الحلو من الحامض ...
فسكت السيد ، ورجع إلى داره ، وكان له -أي للسيد- بنت، وكان قد خطبها كثير من التجار ؛ لأنه -أي السيد- من أهل الثروة .
وقال لزوجته : وجدنا زوجاً للبنت ، فقالت له : كيف ستزوجها بعبد وهو أسود ، وربما البنت لا ترضى بالعبد .
فقال لها : أخبريها ؛ فإني وجدته -أي وجدت هذا العبد- صاحب ورع وخوف من الله .
فسارت الزوجة إلى بنتها وأخبرتها بالذي قال ابوها : أن سيزوجها بالعبد {مبارك} ، وجئتُ إليك نطلب الرضا منك .
فقالت البنت : إذا رضيتُم أنتم .. رضيتُ أنا ، ولن أجد أحد يعرف الأصلح لي مثل أبي .
فزوجها أبوها بـ(مبارك) .. فأتت له بسيدنا ( عبد الله بن مبارك ) .
✍🏻 انتهى ملخصاً : تحفة الأشراف ج١ صـ٢٧ .
* وسيدنا عبد الله بن مبارك .. هو عالم خراسان ، المجمع على إمامته ، تنزل الرحمة عند بذكره ، وترتُجى المغفرة بحبه ، وهو من تابع التابعين .
وقد صنف كتباً كثيرة في أبواب العلم ، والزهد ، والحث على الجهاد ، وكان شجاعاً ينازل الأبطال ، وكان سخياً بما يملك .
وكان إذا اشتهى شيئا .. لا يأكله إلا مع ضيف ، وكان يقول : بلغنا أن طعام الضيف لا حساب عليه .
وقال المعتمر بن سليمان : عبد الله بن المبارك : فقيه العرب والعجم .
وقال الفضيل بن العياض -رحمه الله- : وربّ هذا البيت : ( ما رأتْ عيناي مثل عبد الله بن المبارك ) .
وقال سفيان الثوري : ( إني لأجهد سنة لأن أكون مثل ابن المبارك في ثلاث أيام .. فما أقدر عليه ) .
وكان سيدنا عبد الله بن المبارك يقول : ( مَن أنا حتى يُكتب قولي ) .
✍🏻 انتهى شرح العينية .
🖊️ مما يُستفاد من هذه الحكاية :
* المدار كله على التقوى ، سواء علا نسبك وحسبك أو انخفض .
* أن الأجير أو الأمين .. لا يتصرف في الأمانة أو في شيء لم يُؤذن له فيه .
* ينبغي أن تختار لابنتك وقريبتك من هو متدين وتقي ، لا كما يسعى له الناس الآن من البحث عن الغني حتى وإن لم يكن تقي .
* أنه ليس هنالك عيب في خطبة الرجل لابنته .
* ينبغي للمرأة إذا أرادت سعادة الدارين .. أن ترضى بالرجل التقي ، ولا تكن طامعة في ذوي الأموال والجاه .
* أن ثمرة تقوى الرجل .. تأتي -بإذن الله- في ذريته ولو بعد حين .
... وغير ذلك من الفوائد .
اللهم يا من وفّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وتقبله منهم .. وفقنا للخير وأعنا عليه وتقبله منا في خير ولطف وعفو وعافية
