( من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ) {٦}
( كلام الشجر والحجر ، وشهادتهما له بالنبوة -صلى الله عليه وآله وسلم- )
* فمن ذلك : حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في سفر، فدنا منه أعرابي، فقال له رسول الله : «يا أعرابي، أين تريد» ؟، قال: إلى أهلي، قال -صلى الله عليه وآله وسلم- : «هل لك إلى خير؟» ، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه السَّمُرَة -الشجرة- » وهي بشاطئ الوادي، فأقبلتْ تخد الأرض -أي تشقها- حتى قامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت الشهادتين، ثم أمرها فرجعت إلى مكانها . أخرجه الدارمي .
* وفي «صحيح مسلم» ، عن جابر -رضي الله عنه- ، قال: ذهب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ليقضي حاجته، فلم يرَ شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي متباعدتين، فأخذ بغصن من أغصان أحدهما، فانقادت له كالبعير المخشوش- أي: المجعول في أنفه حلقة فيها الخطام- حتى إذا كانت بالمنصف -أي نصف المسافة أو نصف الطريق- ، وفعل بالآخرى كذلك، فالتأمتا بإذن الله تعالى، فلما قضى حاجته افترقتا، وعادت كل واحدة منهما إلى منبتها .
* وعن بُريدة بن الحُصيب مصغرين -رضي الله عنه- ، قال: سأل أعرابي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- آية -أي: علامة على نبوته- فقال له: «قل لتلك الشجرة؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك» ففعل، فمالت الشجرة يمينا وشمالا، فتقطعت عروقها، ثم جاءت تجر عروقها، حتى وقفت بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال له الأعرابي: ائذن لي أسجد لك، قال: «لا ينبغي السجود إلا لله» قال: ائذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن له . أخرجه البزار .
* وعن يعلى بن مرة -رضي الله عنه- ، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قاعداً ، فأتت شجرة عظيمة، فأطافت به، ثم رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها استأذنت ربها أن تسلم علي» . أخرجه البغوي .
* وذكر الإمام أبو بكر بن فورك- رحمه الله تعالى-: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير ليلا في غزوة (الطائف) وهو وَسِن -أي: به سنة نوم- فاعترضَتْه شجرة سدر، فانفرجت له نصفين حتى مر بينهما، قال:
وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، قال: وهي هناك معروفة معظمة . انتهى : الشفاء .
* ومن ذلك: حديث الجذع المشهور في «الصحيحين» ، عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، قالوا: كان المسجد مسقوفا بجذوع النخل، وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا له صوتا كصوت العشار من الإبل -أي صوت الإبل عند ولادتها- .
وفي رواية: حتى ارتج المسجد لشدة خواره .
وفي رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء الناس .
وفي رواية المطلب بن أبي وداعة: حتى انشق الجذع وجاءه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فوضع يده عليه فسكت .
زاد غيره: فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: « إن هذا بكى لما فقده من ذكر الله تعالى » ، وقال: « والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة » .
ثم أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر .
وفي رواية بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « إن شئت أن أردك إلى البستان الذي كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنة ليأكل أولياء الله من ثمرك » ، فقال: بل تغرسني في الجنة، لأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه الحاضرون، فقال النبي : -صلى الله عليه وآله وسلم- : «قد فعلت» ثم قال: «إنه اختار دار البقاء على دار الفناء» .
وكان الحسن البصري -رحمه الله- إذا حدث بهذا الحديث .. بكى ، وقال: يا عباد الله ، الخشبة تحن شوقا إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم لما فارقها، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه .
* وفي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود -رضي الله عنه- ، قال:
كنا نسمع تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يؤكل .
* وفي «الصحيحين» عن أنس رضي الله عنه، قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم جبل (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فرجف بهم الجبل، فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان» .
* وفيهما -أي: الصحيحين- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ، قال: كان حول الكعبة لقريش ثلاث مئة وستون صنماً، مثبتة على الرخام بالرصاص، فلما دخل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عام الفتح .. جعل يشير إليها بقضيب كان في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- أي: ذاهبا- .
فما أشار لوجه صنم .. إلا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها .
✍🏻 انتهى : حدائق الأنوار
